السيد محمد تقي المدرسي
48
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
إنّ مَنْ يدرس تاريخ هذا الصراع من جميع مناحيه السياسية والعسكرية والثقافية يعرف مدى أهمية دور هذا الصراع في انتشار المذاهب الفلسفية المختلفة والتي شطت عن نهج الإسلام السليم مثل الأشاعرة والمعتزلة والمرجئة وما أشبه . كما يعرف طبيعة البيئة التي نشأت فيها مذاهب القياس ، والمصالح المرسَلَة ، وسد الذرائع وما فيها من دعم غير مباشر للسلطة في مقابل ثقافة الأمة الأصيلة المتمثِّلة في الكتاب والسنّة والعقل المستضيء بهما . فالقياس كان أداةً لمواجهة النصوص الشرعية ، والإجماع كان عصى غليظة ضد المعارضة الربانيّة التي طالما سُحِقَت تحت طائلة شق عصى المسلمين ، وأمّا المصالح المرسَلَة وسد الذرائع وما أشبه فكانت وسيلةً لتبرير جور الأنظمة المخالفة للنصوص الشرعيّة . وأخيراً حينما ضاقت السبل بالسلطات الجائرة عمدت إلى سَدِّ باب الإجتهاد رأساً ، ولَخَّصت الدين كله بمذاهب أربع واعتبرت الخروج عن إطارها خروجاً عن الدين . باء : العامل الثقافي هناك أكثر من جانب يمكن أن ندرسه عند البحث عن البيئة الثقافية التي كانت منبتاً لنشأة علم الأصول . فهناك عامل الترجمة للأفكار الوافدة ، وهناك تطوّر اللغة العربية ومايتّصل بها من علوم الصرف والنحو والعروض والبلاغة ، وهناك عامل الاختلاف الشديد بين المذاهب وغيرها . أولًا : الثقافة الوافدة كان للترجمة أثر أساسي في الدعوة إلى مايُسمى اليوم بالعلمانية ، ولكن لأنّ المحيط الاجتماعي كان يرفض بشدة مثل هذه الدعوة ، فإنّها غلَّفتها بالدعوة إلى تأويل النص أو تفسيره وتعدّد القراءة له وربما الإستعاضة عنه بالقياس . ثانياً : تطور اللغة بسبب حركة الترجمة وتأثيرها على النحو العربي ومحاولة ضبطه ضمن قواعد شبيهة بالمنطق الأرسطي ، وبسبب اختلاط العرب بالأمم الناطقة بلغات أخرى فإنّ تطوّراً كبيراً طرء على علوم اللغة ، فكانت هناك مدرسة حاولت إخضاع اللغة لقواعد صارمة ، وهكذا